الشوكاني
23
فتح القدير
من الصادقين ) في وعدك لنا به ( قال إنما العلم عند الله ) أي إنما العلم بوقت مجيئه عند الله لا عندي ( وأبلغكم ما أرسلت به ) إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار ، فأما العلم بوقت مجئ العذاب فما أوحاه إلى ( ولكني أراكم قوما تجهلون ) حيث بقيتم مصرين على كفركم ولم تهتدوا بما جئتكم به ، بل اقترحتم على ما ليس من وظائف الرسل ( فلما رأوه عارضا ) الضمير يرجع إلى " ما " في قوله " بما تعدنا " . وقال المبرد والزجاج : الضمير في " رأوه " يعود إلى غير مذكور وبينه قوله ( عارضا ) فالضمير يعود إلى السحاب : أي فلما رأوا السحاب عارضا ، فعارضا نصب على التكرير : يعني التفسير ، وسمى السحاب عارضا لأنه يبدو في عرض السماء . قال الجوهري : العارض السحاب يعترض في الأفق ، ومنه قوله - هذا عارض ممطرنا - وانتصاب عارضا على الحال أو التمييز ( مستقبل أوديتهم ) أي متوجها نحو أوديتهم . قال المفسرون : كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياما ، فساق الله إليهم سحابة سوداء ، فخرجت عليهم من واد لهم : يقال له المعتب ، فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا ، و ( قالوا هذا عارض ممطرنا ) أي غيم فيه مطر ، وقوله ( مستقبل أوديتهم ) صفة لعارض لأن إضافته لفظية لا معنوية ، فصح وصف النكرة به ، وهكذا ممطرنا ، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هود ، فقال ( بل هو ما استعجلتم به ) يعني من العذاب حيث قالوا - فأمتنا بما تعدنا - وقوله ( ريح ) بدل من ما ، أو خبر مبتدأ محذوف ، وجملة ( فيها عذاب أليم ) صفة لريح ، والريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه ( تدمر كل شئ بأمر ربها ) هذه الجملة صفة ثانية لريح أي تهلك كل شئ مرت به من نفوس عاد وأموالها ، والتدمير : الإهلاك ، وكذا الدمار ، وقرئ " يدمر " بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم ورفع كل على الفاعلية من دمر دمارا ، ومعنى ( بأمر ربها ) أن ذلك بقضائه وقدره ( فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم ) أي لا ترى أنت يا محمد أو كل من يصلح للرؤية إلا مساكنهم بعد ذهاب أنفسهم وأموالهم . قرأ الجمهور " لا ترى " بالفوقية على الخطاب ، ونصب مساكنهم . وقرأ حمزة وعاصم بالتحتية مضمومة مبنيا للمفعول ورفع مساكنهم . قال سيبويه : معناه لا يرى أشخاصهم إلا مساكنهم ، واختار أبو عبيد وأبو حاتم القراءة الثانية . قال الكسائي والزجاج : معناها لا يري شئ إلا مساكنهم فهي محمولة على المعنى كما تقول : ما قام إلا هند ، والمعنى : ما قام أحد إلا هند ، وفي الكلام حذف ، والتقدير : فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ( كذلك نجزي القوم المجرمين ) أي مثل ذلك الجزاء نجزي هؤلاء ، وقد مر بيان هذه القصية في سورة الأعراف ( ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه ) قال المبرد : ما في قوله فيما بمنزلة الذي وإن بمنزلة بمنزلة ما : يعني النافية وتقديره : ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من المال وطول العمر وقوة الأبدان ، وقيل " إن " زائدة وتقديره : ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه ، وبه قال قال القتيبي ، ومثله قول الشاعر : فما إن طبن جبن ولكن * منايانا ودولة آخرينا والأول أولى لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم ( وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة ) أي إنهم أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس التي بها تدرك الأدلة ، ولهذا قال ( فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شئ ) أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد وصحة الوعد والوعيد ، وقد قدمنا من الكلام على وجه إفراد السمع وجمع البصر ما يغنى عن الإعادة ، و " من " في ( من شئ ) زائدة ، والتقدير : فما أغنى عنهم شئ من الأغناء ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع ( إذ كانوا يجحدون بآيات الله ) الظرف متعلق بأغنى ، وفيها معنى التعليل : أي لأنهم كانوا يجحدون ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء حيث قالوا ( فأتنا بما تعدنا ) . ( ولقد أهلكنا ما حولكم